
المحتوى المحلي: فكرة عالمية بإبداع سعودي
ظهر مفهوم "المحتوى المحلي" عالميًا ليس كترف نظري، بل كضرورة ناتجة عن الحاجة الاقتصادية. في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، بدأت الدول الغنية بالموارد مثل كندا وأستراليا والنرويج تدرك أنه بينما يتم استخراج ثرواتها الطبيعية وتصديرها، يبقى الأثر الحقيقي على مجتمعاتها محدودًا. ومن هنا، تم وضع سياسات تلزم الشركات الكبرى - خصوصًا في قطاعات النفط والتعدين والطاقة - بتوظيف الأيدي العاملة المحلية، ونقل المعرفة، والشراء من الموردين الوطنيين، لتحويل الثروة من أرقام في الميزانيات إلى قيمة مضافة في الاقتصاد الحقيقي.
ومع مرور الوقت، تطور المفهوم ليصبح أداة استراتيجية تستخدمها الدول في المشتريات الحكومية، والصناعة، وحتى التقنية، بوصفها أحد أهم محركات النمو المستدام. في هذا السياق العالمي، وُلدت تجربة المملكة العربية السعودية، ولكن بقراءة مختلفة وأكثر شمولًا تتماشى مع أهداف رؤيتها 2030. فالمحتوى المحلي هنا لم يُطرح كحل جزئي أو إجراء مؤقت، بل كمسار وطني منظم تقوده هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية، إحدى أدوات تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030.
منذ تأسيسها، عملت الهيئة على إعادة تعريف السؤال الجوهري: كيف يمكن للإنفاق الحكومي، وهو الأكبر في المنطقة، أن يتحول من مجرد صرف إلى استثمار طويل الأثر في الصناعة والوظائف وسلاسل الإمداد الوطنية؟ كان هذا السؤال حاضرًا بقوة في اللقاء الإعلامي الدوري الذي نظمته الهيئة مؤخرًا، بحضور معالي وزير الصناعة والثروة المعدنية، رئيس مجلس إدارة الهيئة بندر الخريف، إلى جانب قياداتها التنفيذية على رأسهم رئيسها التنفيذي عبدالرحمن السماري. لم يكن اللقاء بروتوكوليًا بقدر ما كان كشف حساب شفافًا، بلغة الأرقام، عن مسار بدأ قبل سنوات ويقطف اليوم ثماره.
تعكس الأرقام التي عرضت تحولًا حقيقيًا؛ إذ ارتفعت نسبة المحتوى المحلي في المشتريات الحكومية بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات الأولى، وتوسع نطاق المنتجات الوطنية المدرجة ضمن القوائم الإلزامية، ما أدى إلى توجيه عشرات المليارات من الريالات نحو المصانع والموردين المحليين، وخلق آلاف الفرص الوظيفية المباشرة وغير المباشرة.
الأهم من ذلك أن التجربة السعودية تجاوزت فكرة "الإلزام" الجامد، إلى بناء منظومة متكاملة تشجع القطاع الخاص على الاستثمار، وتمنح الشركات الوطنية فرصة عادلة للدخول في سلاسل التوريد الكبرى، دون الإخلال بجودة المشاريع أو كفاءتها. وهو ما بدا واضحًا في حديث مسؤولي الهيئة عن تمكين المصانع، وتطوير الموردين، وربط المحتوى المحلي بالتنافسية لا بالحماية.
لكن اللافت في اللقاء، والذي يمكن اعتباره رسالة للمستقبل أكثر منه خبرًا آنيا، كان إعلان معالي وزير الصناعة عن قرب إطلاق "بورصة المعادن" في المملكة. يحمل هذا الإعلان دلالات تتجاوز الاسم، ويؤكد أن المحتوى المحلي لم يعد مقتصرًا على الشراء والتصنيع، بل يمتد إلى بناء بنية تحتية مالية وتنظيمية متقدمة لقطاع التعدين. فبورصة المعادن تعني شفافية في التسعير، ومرجعية عادلة للأسواق، وأدوات تمويل واستثمار جديدة، تمكن الشركات الوطنية من النمو، وتضع المملكة في موقع مؤثر إقليميًا وعالميًا في سوق المعادن.
إذا ما نظرنا إلى هذه الخطوة ضمن الصورة الكبرى، تعكس نضج التجربة السعودية في إدارة مواردها. فالمملكة لا تكتفي باستخراج المعادن، بل تسعى إلى تنظيم تداولها، وتعظيم قيمتها، وربطها بالصناعة الوطنية وسلاسل الإمداد المحلية، وهو جوهر فكرة المحتوى المحلي في أرقى صورها.
ما خرج به المتابع من هذا اللقاء ليس مجرد أرقام أو مبادرات، بل قناعة بأن المحتوى المحلي في السعودية لم يعد شعارًا يرفع، بل سياسة عامة تدار، وتقاس، وتراجع، وتطور. تجربة تستفيد من دروس العالم، لكنها تكتب اليوم بخصوصية سعودية، توازن بين الانفتاح الاقتصادي وحماية المصالح الوطنية، وبين جذب الاستثمار وبناء القدرة المحلية، في مسار يبدو أنه ما زال في بدايته، لكن ملامحه أصبحت أكثر وضوحًا وثقة.





